ابن تيمية
84
مجموعة الرسائل والمسائل
( أجعل الآلهة إلهاً واحداً ؟ ) واعتقدوا أنهم لما سموهم آلهة كانت تسمية المشركين دليلاً على أن آلهية الله لهم . وهذه الحجة قد ردها الله على المشركين في غير موضع كقوله سبحانه عن هود في مخاطبته للمشركين من قومه ( أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ) الآية هذا رداً لقولهم ( أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا ) فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسميتهم إياها آلهة ومعبودين تسمية ابتدعوها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من حجة ولا سلطان ، والحكم ليس إلا لله وحده ، وقد أمر هو سبحانه أن لا يعبد إلا إياه ، فكيف يحتج بقول مشركين لا حجة لهم ؟ وقد أبطل الله قولهم ؟ وأمر الخلق أن لا يعبدوا إلا إياه دون هذه الأوثان التي سماها المشركون آلهة ، وعند الملاحدة عابدو الأوثان ما عبدوا إلا الله . ثم أن المشركين أنكروا على الرسول حيث جاءهم ليعبدوا الله وحده ويذروا ما كان يعبد آباءهم ، فإذا كانوا هم ما زالوا يعبدون الله وحده كما تزعمه الملاحدة ، فلم - يدعو إلى ترك ما يعبده آباؤهم هو وغيره من الأنبياء ؟ وكذلك قال سبحانه في سورة يوسف عنه ( يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ؟ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان - إلى قوله - ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) وقال سبحانه ( أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى - إلى قوله - ولقد جاءهم من ربهم آله وهذه الثلاثة المذكورة في هذه السورة هي الأوثان العظام الكبار التي كان المشركون ينتابونها من أمصارهم ، فاللات كانت حذو قديد بالساحل لأهل المدينة ، والعزى كانت قريبة من عرفات لأهل مكة ، ومناة كانت بالطائف لثقيف ، وهذه الثلاثة هي أمصار أرض الحجاز . أخبر سبحانه أن الأسماء التي سماها المشركون أسماء ابتدعوها لا حقيقة لها ، فهم إنما يعبدون أسماء لا مسميات لها ، لأنه ليس في المسمى من الألوهية ولا العزة